الشيخ محمد رشيد رضا
480
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كثيرا في الاكتساب كقوله تعالى في آخر سورة البقرة ( لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) وهو غير مطرد في ذلك ، فكل من الكسب والاكتساب يستعمل في الخير والشر . فمعنى قوله تعالى « وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ » يعلم جميع عملكم وكسبكم في وقت اليقظة الذي يكون معظمه في النهار خيرا كان أو شرا ، قيل إن الماضي هنا بمعنى المستقبل أي ويعلم ما تجرحون في النهار الذي يلي الليل عبر به لتحقق وقوعه ، وقيل بل هو على أصله ويراد به النهار السابق على الليل الذي يتوفاكم فيه . أو المراد يتوفاكم في جنس الليل ويعلم ما جرحتم في جنس النهار ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ أي ثم إنه بعد توفيكم بالنوم يثيركم ويرسلكم منه في النهار ، فالبعث كما قال الراغب إثارة الشيء وتوجيهه يقال بعثت البعير أي أثرته من بركه وسيرته . فاطلاق البعث على الايقاظ من النوم حقيقة لغوية ومن جعله مجازا نظر إلى العرف الشرعي . فان قيل كان الظاهر أن يقال : وهو الذي يتوفاكم بالليل ثم يبعثكم بالنهار ويعلم ما جرحتم فيه ، فما نكتة هذا التقديم والتأخير في الآية ؟ قلت الظاهر المتبادر أن تأخير ذكر البعث لأجل أن تتصل به علته المقصودة بالذكر في هذا السياق وهي قوله تعالى لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى الخ أي يوقظكم ويرسلكم في أعمالكم لأجل ان يقضي وينفذ الاجل المسمى في علمه تعالى لكل فرد منكم فان لاعماركم آجالا مقدرة مكتوبة لا بد من قضائها واتمامها ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثم اليه وحده يكون رجوعكم إذا انتهت آجالكم ومتم ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إذ يبعثكم من مراقد الموت كما كان يبعثكم من مضاجع النوم ، لأنه عالم بتلك الاعمال كلها فيذكركم بها ، ويحاسبكم عليها ويجزيكم بها ، ان خيرا فخير وان شرا فشر . وفيه تنبيه على أن القادر على البعث من توفي النوم قادر على البعث من توفي الموت وقد خالف الزمخشري الجمهور في تفسير الآية فجعلها خطابا للكفار خاصة إذ جعل الجرح خاصا بعمل السوء وجعل الغرض من ذكر توفيهم في الليل انهم يكونون منسدحين فيه كالجيف ومن الجرح بالنهار عمل الآثام فيه . وجعل البعث على معناه